|
شهدت الزراعة
السورية خلال العقدين الماضيين تطورا كميا ونوعيا كبيرا, فتحت الضغط السياسي
الذي قارب حد الحصار انتهجت الإدارة الزراعية في البلاد سياسة تشجيع إطلاق
قدرات الفلاح السوري لينتج ما تقدر الأرض على حمله.
اليوم حققت الزراعة السورية فوق ما هدفت إليه في مضمار الإنتاج ونسمع منذ عدة
سنوات خلت صياح المنتجين السوريين للبندورة والحمضيات بأن محاصيلهم لا تجد
لها سوقا في فترة ذروة الإنتاج, وفوائض الإنتاج السوري في الحبوب كذلك تحتاج
إلى قدرات تسويقية لم تجد بعد الأقنية اللازمة والملائمة لتصريف الإنتاج.
الزراعة في سورية اليوم أصبح لديها قاعدة إنتاجية تعتبر نموذجا استحق تقدير
الأمم من الدرس والاقتداء.
هذه الزراعة على مفترق طرق اليوم لأنها حتى اللحظة لم تعرف الطريق إلى
الأسواق المجاورة ولم تستفد حتى اليوم من كل الميزات التنافسية التي تتمتع
بها, وللأسف الشديد لم تعرف المنتجات الزراعية السورية حتى اللحظة لها أبا
يحمل هم وصولها إلى الأسواق العالمية.
فوزارة الزراعة تعتبر نفسها خارج مسألة التسويق الخارجي ووزارة الاقتصاد لم
تتحمل العبء بعد.
مسائل الزراعة السورية فتحتها (الاقتصادية) أمام الدكتور عادل سفر وزير
الزراعة وكان اللقاء التالي:
ما الذي استطاعت وزارة الزراعة تحقيقه خلال السنوات الماضية, وما التحديات
القائمة وخاصة أن الخطة الخمسية العاشرة أولت جانبا لا بأس به في عملية النمو
للقطاع الزراعي, ماذا استطعتم تحقيقه من مشروع عملكم؟
وزارة الزراعة من الوزارات المفصلية وتعرفون أن سورية خضعت لحصار اقتصادي عام
1984 وهذا ولد شعورا أن على سورية أن تحقق اكتفاء ذاتيا بالإنتاج الزراعي
وكانت استراتيجية وزارة الزراعة منصبة على تأمين الإنتاج وكان هذا هدفا رائعا
للناس بأن يكون لديهم اكتفاء ذاتي وتتأمن كل احتياجاتهم الغذائية من الإنتاج
الوطني.
ووصلنا الى مرحلة أصبح لدينا فوائض كبيرة من الإنتاج وهذا بي ن الخلل الأساسي
الذي بنيت فيه السياسات على مبدأ الانتاج دون النظر الى التخطيط والتسويق أي
من دون النظر الى التخطيط لتصريف الإنتاج, فالمفروض دائما في عالم التسويق أو
حتى في عالم الإنتاج يجب أن يسأل المنتج دائما لمن أنتج؟ وهذا سؤال مهم جدا
بالنسبة لنا في القطاع الزراعي لأن المنتجات الزراعية قابلة للتلف ومدة
صلاحيتها محدودة جدا .
وهذا الموضوع عانت منه سورية بعد عام 2000 إذ أصبح لدينا فائض كبير من
المنتجات الزراعية وقدرة تسويقية ضعيفة, وصناعات غذائية ضعيفة, ما أدى الى
تلف كميات كبيرة من فوائض الإنتاج, وتعثر التسويق تسبب بخسائر كبيرة بالدرجة
الأولى للمنتجين.
ألا يقع هذا ضمن إطار عدم تكاملية العمل بين الوزارات؟ فالتسويق الخارجي
يتعلق بوزارة الاقتصاد وعندما يكون هناك ضعف في الصناعات الغذائية فهذا ضعف
في التكامل مع وزارة الصناعة.
الموضوع الأساسي ينطلق من المنتج كي لا نحمل المسؤولية لوزارة الاقتصاد,
فالمشكلة بعد الانتقال الى اقتصاد السوق الاجتماعي أصبحنا جميعا مسؤولين,
بدءا من المنتج وانتهاء بالمسؤول في البلد.
هذا الكلام لم يمض عليه أشهر والمشكلة أقدم من ذلك؟
هذا يتعلق بالوعي وبالإرشاد فالمفروض على أي منتج أن يعرف أين يسوق انتاجه
وقبل أن تدخل أي جهة أخرى في عملية التسويق, وعلى المنتج أن يعرف احتياجات
البلد أولا واحتياجات السوق الخارجية, اذا كنت راغبا في التصدير واحتياجات
المعامل, اذا كان لدي معامل, فالمفروض ألا أركز على إنتاج لا يوجد له سوق.
من يقوم بهذه الدراسة؟ هل يقوم بها الفلاح البسيط؟
لا طبعا , هي سياسة عامة لذلك عندما بدأنا بالتركيز بسبب الحاجة على الإنتاج
فرحنا كثيرا بالنتائج وهذا انجاز عظيم لسورية, والآن سورية من الدول المتقدمة
زراعيا بين الدول العربية والأجنبية, ويفاجأ الأوروبيون بالتقدم الزراعي
الكبير الذي وصلنا اليه.
والموضوع أننا ركزنا على الإنتاج وعندما أتيت الى الحكومة شعرت بالحاجة الى
إعادة النظر بسياساتنا الزراعية فوزارة الزراعة كان عندها أربع مهام أو كان
يلزم أن يكون عندها أربع مهام أساسية, أولاها: الخدمات العامة وثانيتها:
البحث العلمي الزراعي, وثالثتها التدريب والتأهيل, وفي المرتبة الرابعة
الإرشاد, إذ يقع البحث العلمي والإرشاد على رأس أولويات الوزارة.
ماذ تقصدون بالخدمات؟
الخدمات تعني تأمين الأسمدة وتأمين المبيدات والمكافحة.
هذه المسائل يمكن أن تقوم بها الشركات؟.
صحيح تماما .. لقد غرقت وزارة الزراعة في تأمين الخدمات للاخوة الفلاحين بدل
أن يكون هناك توازن في أداء مهامها, فالخدمات هي مهمة السوق بالأساس, وربما
تسبب في ذلك أن كثيرا من المواد كان محصورا استيرادها بالدولة والدولة تقدم
دعما للفلاح, وتعرفون أن القطاع الزراعي مدعوم.
ليس فقط في سورية.. الولايات المتحدة تدعم قطاعها الزراعي؟
أقول دائما إنه لا يجوز اطلاقا التخلي عن دعم القطاع الزراعي وهذا الموضوع خط
أحمر لأن القطاع الزراعي مدعوم في كل دول العالم وحتى الولايات المتحدة كما
تذكرون, وبالعكس هم يمارسون علينا دور العولمة بطريقة خاطئة جدا ويفرضون
علينا أشياء لا يطبقونها هم.
وسأعطي مثالا من أميركا ففي زراعة القطن هناك يدعمونها ب- 350 مليون دولار ل-
25 ألف مزارع, وهذا رقم كبير جدا , والسكر كذلك والآن بدؤوا برفع جزئي للدعم
عنه, فطن السكر يكلف اليوم نحو 660 دولارا تقريبا , كان يباع للدول ب- 220
دولارا أي بثلث القيمة.
وهذا النوع من الدعم هو ضرب لاقتصادات الدول النامية التي تعتمد في
اقتصاداتها على الزراعة وكانوا يعملون على تفشيلها في القطاع الزراعي.
فإذا كانت التكلفة لدي أقل من 660 دولارا فإنني لا أستطيع المنافسة لأن هناك
حربا على الدول النامية كي لا تنهض بزراعاتها.
وحتى بمفاوضاتنا في اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي كان أصعب موضوع هو
الزراعة.
وبالعودة الى سياسات التحديث في وزارة الزراعة انطلاقا من مهامها الأربع التي
ذكرت عملنا على الانتقال من مفهوم الاكتفاء الذاتي الى مفهوم الأمن الغذائي
بعد أن تم استخدام جائر للموارد الطبيعية في سورية ولا يجوز استخدام المياه
أكثر من الحد المسموح به والتربة بدأت تستنزف كحاضنة للزراعة وبالتالي صار
هناك تدهور أراض في كثير من المناطق.
كما قمنا بزراعة أراض من المفروض ألا نزرعها ببعض المحاصيل.
تخلينا عن أراض زراعية خصبة, لمصلحة المباني في كثير من المناطق؟
هذا شق ثان, دعونا نبق في القطاع الزراعي وتأثيره في تدهور البيئة بشكل عام,
ونحن نعمل على إعادة مفهوم الأمن الغذائي الذي يعني استخدام الموارد الطبيعية
بشكل مرش د كي لا نقضي عليها, والتوجه الى استثمار هذه الموارد رأسيا , وهنا
يأتي دور البحث العلمي الزراعي فبدلا من التوسع أفقيا بزيادة نسبة المساحات,
المفترض أن نبحث عن أصناف متحملة للجفاف وذات احتياجات مائية قليلة
وانتاجيتها عالية.
وحققنا في زراعة القمح زيادة في الإنتاجية من 1500 كغ في الهكتار الى 4000 كغ
في الهكتار, متوسط انتاجية القمح اليوم في سورية 3,8 أطنان/هكتار مع البعل.
والمروي يقارب 5 أطنان/هكتار.
وطموحنا أن نصل الى فوق 7 أطنان/هكتار وهذا يحقق ريعية أكبر وضغطا في تكاليف
الإنتاج ومنافسة أعلى وتصبح الميزة النسبية للإنتاج السوري من القمح أفضل
بكثير من باقي الدول ونحن نقول إن سورية ليس لديها خوف في القطاع الزراعي.
وسورية قادرة على المنافسة بشرط تأمين الظروف المناسبة للزراعة والمطلوب ان
نرتقي تسويقيا وأن نلتزم بأخلاقيات التسويق الاستراتيجي وندخل التقانات
العالمية وأن يبتعد المسوقون لدينا عن نظام الصفقة الواحدة. |